الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

73

شرح ديوان ابن الفارض

واحدة النسمات وهي الهبة الواحدة . و « سحرا » بالنصب على الظرفية والسحر قبيل الصبح والمراد هنا سحر يوم غير معين ولذلك صرف لتنكيره ولو أريد به سحر يوم معين لكان ممنوعا من الصرف . قوله « وماء وجرة » . كقوله « أرواح نعمان » فكل منهما منادى مضاف منصوب لذلك أي يا أرواح نعمان ويا ماء وجرة . و « وجرة » موضع بين مكة والبصرة أربعون ميلا ما فيها منزل فهي مدب للوحوش أي مجمع . و « هلا » كالتي في البيت قبلها . و « النهلة » واحدة النهلات وهي المرّة من الشرب الأول ويقابله العلل لأنه الشرب الثاني . قوله « بفم » أي نهلة فم يريد بذلك تقليلها كما يقال نغبة فم وشربة شفة أي هل لي منك يا ماء وجرة شربة قليلة يجرعها الفم دفعة واحدة . الإعراب : أرواح نعمان : منادى مضاف منصوب حذف حرف ندائه . والأرواح : جمع ريح هنا . قوله هلا : كلمة تحضيض . ونسمة : بالنصب مفعول لفعل محذوف أي هلا بعثت إلي نسمة أرتاح بها وقت السحر . وسحرا : متعلق بالفعل المحذوف ويجوز فيها الرفع بتقدير فعل يلائمه أي هلا حصلت لي نسمة منك وقت السحر . قوله وماء وجرة : على نمط أرواح نعمان في تقدير النداء وحذف حرفه وفي تجويز النصب والرفع في قوله هلا نهلة بفم ، كما جوزناهما في قوله أرواح نعمان . وأقول المعنى ظاهر لأن غاية مرامه أنه يطلب من أرواح نعمان نسمة وقت السحر ويطلب من ماء وجرة نهلة تطفئ ما بقلبه من لهيب الشرر ويحضرني فيما يناسب ذلك أيضا قول الشيخ أبي العلاء المعري التنوخي : أيا برق ليس الكرخ داري وإنما * رماني إليه الدهر منذ ليال فهل فيك من ماء المعرة قطرة * تغيث بها ظمآن ليس بسال ولقد بلغنا فيما رويناه أن الخليفة لما سمع قوله فهل فيك من ماء المعرة قطرة أرسل إلى المعرة دواب البريد وأتى منها بماء لطيف ووضع ذلك الماء في شربة الشيخ أبي العلاء من غير أن يعلمه بذلك فلما شرب منها التفت إلى الخليفة متبسما وقال يا مولانا هذا ماؤها فأين هواؤها فقال له الخليفة أما الماء فإن القدرة تصل إليه وأما الهواء فإنه ليس داخلا تحت القدرة البشرية فليس لنا عليه حكم أبدا واللّه سبحانه وتعالى أعلم . ( ن ) : كنى بأرواح نعمان عن أقطاب المنازل والمقامات كقطب مقام التوكل وقطب مقام الصبر وقطب مقام الزهد إلى غير ذلك فهو منزل ما دام مسافرا فيه فإذا أقام فهو مقام فإذا رسخ فهو قطب فيه تدور عليه دوائر كل متعلق به من أهل الإسلام